مجد الدين ابن الأثير

299

المختار من مناقب الأخيار

وقال حصين بن القاسم الوزّان : كنّا عند عبد الواحد بن زيد وهو يعظ ، فناداه رجل من ناحية المسجد : كفّ يا أبا عبيدة ، قد كشفت « 1 » قناع قلبي . فلم يلتفت عبد الواحد إلى ذلك ، ومرّ في الموعظة ، فلم يزل الرجل يقول : كفّ يا أبا عبيدة ، فقد كشفت « 1 » قناع قلبي . وعبد الواحد يعظ ولا يقطع موعظته ، حتى حشرج الرجل حشرجة الموت ، نم خرجت نفسه . قال : فأنا واللّه شهدت جنازته يومئذ ، فما رأيت بالبصرة يوما أكثر باكيا من يومئذ . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال منصور بن عمّار : خرجت في ليلة من الليالي ، وظننت أنّ الصّبح ما أضاء ، فإذا الصّبح قد أضاء عليّ ، فقعدت إلى دهليز مشرف ، فإذا أنا بصوت شابّ يدعو ويبكي ، وهو يقول : اللّهمّ ، وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك ، ولقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل ، ولا لعقوبتك متعرّض ، ولا لنظرك مستخف ، ولكن سوّلت لي نفسي ، فأعانتني عليها شقوتي ، وغرّني سترك المرخيّ عليّ ، فقد عصيتك وخالفتك بجهدي . فمن عذابك من يستنقذني ؟ ومن أيدي زبانيتك من يخلّصني ؟ وبحبل من أتّصل إن أنت قطعت حبلك عني ؟ وا سوأتاه إذا قيل للمخفّين : جوزوا ، وللمثقلين حطّوا ، فيا ليت شعري مع المثقلين نحطّ أم مع المخفّين نجوز ؟ ويحي ، كلّما أطال عمري كثرت ذنوبي ، وكلّما كبرت سنّي كثرت خطاياي ، فيا ويلي كم أتوب وكم أعود ولا أستحي من ربّي ! قال منصور : فلمّا سمعت هذا الكلام وضعت فمي على باب داره ،

--> ( 1 ) في ( أ ) : « كشف » .